الركن الديني

اسم الله التواب

تستأنف بإذن الله تعالى ونعود إلى الرحلة الجميلة والبستان المليء بالخيرات، وإلى النعم والنعيم الذي أذاقنا الله إياه من خلال العيش في رحاب شرح أسمائه وصفاته، فالمحروم من هذا العلم حُرم الخير الكثير، لأن معرفة الله عز وجل بأسمائه وصفاته إنما هي نورٌ يضيء بينك وبين الله عز وجل،

والعبد اذا أُضيء له علاقته بالله عز وجل أصبحت كل علاقة بعد علاقته بالله عز وجل هينة، أصبحت مضيئة،
لأن لكل شيء فرع ولكل شيء أصل، وأصل العلاقات العلاقة بالله سبحانه وتعالى، هو الذي خلقك، التعارف الأول في الحياة يكون بينك وبين الله عز وجل، لابد أن يكون بينك وبين الله عز وجل لأنه سبحانه وتعالى هو الذي تولاك منذ أن كنت في بطن أمك، هو الذي تولاك تولى أمرك منذ أن كنت جنيناً لا تملك لنفسك ضراً ولا نفعاً، وأنت إلى الآن لا تملك لنفسك شيء، ولا يملك لك الضر والنفع إلا الله عز وجل، ومن ركن إلى حوله وقوته فقد ركن إلى نقص وإلى عوار.

اليوم بإذن الله تعالى الاسم الذي معنا التواب سبحانه وتعالى، والاسم الذي معنا اليوم نعيش في رحابه ونسأل الله عز وجل أن يجعل لنا منه حظًا ونصيبًا وأن يجعلنا من التوابين ومن المتطهرين، قال تعالى: “فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ“،
والتواب هو كثير التوبة على عباده، يقبلهم أكثر من مرة، وقد يتوب على عدد كبير من عباده في آنٍ واحد، بمعنى أنه قد يقبل التوبة من عدد كبير جداً من عباده، وأنه قد يقبل التوبة من العبد مرة واثنان ومائة وألف ومليون مرة.
فالله عز وجل هو التواب على من تاب إليه سبحانه وتعالى من عباده المذنبين، التارك مجازتهم بإنابته إلى طاعته، أي أنه لا يجازيهم على هذا الذنب إذا عادوا إليه وتابوا.
وعندما يقول الله عز وجل أنه قابل التوب، التوب جمع توبة والله قابل التوب وليس قابل التوبة، فالله عز وجل هنا يكرر فعل التوبة على عبده مرة واثنان وعشرة مادام العبد يتوب، او يتوب على دفعة كاملة من عباده،

وعلى ذلك فإن التوبة نوعان: النوع الأول أن يأذن الله عز وجل للعبد بأن يسوق قلبه إليه، فأنت لا ترجع وتتوب ذكاء منك ولا مهارة ولا اعتماد على نفسك، لا، بل أنت تتوب لأن الله عز وجل ألقى في روعك وفي قلبك التوبة إليه، أن الله اختارك أن الله أراد لك الهداية، ان الله اراد ان يقربك منه، أن الله سبحانه وتعالى خصك برحمة من عنده فألقى في قلبك أن تتوب،
وقد لا تعرف السبب، قد لا يكون هناك نصيحة، ولا يكون هناك خطبة، ولا يكون هناك درس، ولا يكون هناك أبوين مربيين، ولا أي شيء، ثم تجد نفسك تتوب وتعود إلى الله،
اذاً هنا النداء كان من مَن؟ من الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: “ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا”، فلولا أن الله عز وجل تاب عليك ودعاك إلى التوبة وهداك إليها وأشعر قلبك بالمحنة وبالذنب وبأن الطريق خطأ وأعطاك إنذارات داخلية لما توجهت الى التوبة،
اذاً لا فضل لك في رجوعك، ولا فضل لك في توبتك، ولا فضل لك في عودتك، (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ) لله عز وجل، هذا يكون يقين المؤمن، يقين المؤمن انه لن يدخل الجنة بعمله لولا تفضل الله عز وجل عليه سبحانه وتعالى، وتوبة العبد محفوفة محاطة بتوبة الله عز وجل قبل أن يتوب العبد،
والنوع الثاني من التوبة تكون منه أيضاً سبحانه وتعالى، بأن يقبلها منك، فأنت من الممكن أن تعتذر لأحد ولا يقبلك، وهذا كتير جداً وهو الغالب في البشر، لكن الله عز وجل أعطاك اليقين والدلائل والمبشرات إنك عود وأنا اقبلك من قبل أن تتوب، عود وانا اقبلك ففتح لك الطريق إنك مقبول، وأنه لا يرد عندي من تاب وأبى ورجع الي، مفتوح الباب رغم انك أنت ليس عندك من العزة ومن القدرة ومن القهر على من عصاك ما عند الله عز وجل من القدرة والقهر والجبروت عليك، ومع ذلك قدر فعفى،
فوفقك إلى التوبة وأقبل بقلبك إليه سبحانه وتعالى، فهو التائب على التائبين بعد توبتهم وبعد هدايتهم قبِلهم، قَبِل منهم التوبة قَبِل منهم الاعتذار قَبِل منهم الرجوع اليه سبحانه وتعالى، وعفا عن خطاياهم،
ووصف الله سبحانه وتعالى نفسه بالتواب لماذا؟ لكثرة من يتوب عليه، الله يتوب على الناس، فالناس تُخطيء في حق الله بعدد هائل، يكاد كلهم إلا من رحم الله عز وجل، يخطئون في حقه، ورغم ذلك هو يكرر توبتهم عليهم سبحانه وتعالى مادام العبد صادق في توبته،

الآن بعد ما عرفت التواب ما الأثر؟ ما المترتب عليك؟ ما سلوكك مع هذا الاسم بعد معرفته؟
أول ثمرة تجدها هي محبة الله عز وجل، والأنس به سبحانه وتعالى، والاكتفاء به عن غيره من الخلق، تشعر أن هناك اكتفاء بالله عز وجل، وأن الله عز وجل ملأ قلبك محبته سبحانه وتعالى، لأنه سبحانه وتعالى الرحيم بعباده، ومن رحمته بهم ومن لطفه بهم أن وفق من شاء من عباده إلى التوبة والرجوع ادإليه، ثم قبِل ذلك منهم سبحانه وتعالى،
بل إنه يفرح بتوبة عبده، هو سبحانه الذي دعاك إلى التوبة، وهو الذي وجهك إليها وهو الذى يسر لك سبل التوبة والطاعة والصحبة التى اأعانتك على ذلك، كل هذا من تيسير الله عز وجل، ثم يفرح بك كأنك انت جئت من عند نفسك، يفرح بك كما جاء في الحديث من قول النبي عليه الصلاة والسلام (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِن أَحَدِكُمْ كانَ علَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فلاةٍ، فَانْفَلَتَتْ منه وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فأيِسَ منها، فأتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، قدْ أَيِسَ مِن رَاحِلَتِهِ، فَبيْنَا هو كَذلكَ إِذَا هو بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فأخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قالَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ)
تخيل ان الله عز وجل يفرح بتوبة أحدنا إليه إذا عاد إليه كفرحة هذا الرجل برجوعه الى الحياة!
ثاني ثمرة من ثمرات معرفتك باسم الله التواب هي إفراد الله عز وجل بالتوبة، إنك تعرف أنه لا توبة إلا إلى الله، ليس هناك توبة إلى نبي ولا إلى قديس ولا إلى صدّيق ولا إلى أحد من المشايخ ولا من العلماء، التوبة الى الله وحده، فمن أثر المعرفة بهذا الاسم أن تكون عندك الإخلاص الشديد في قلبك بأنه لا توبة إلا إلى الله قال سبحانه وتعالى (وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا الله)لا يستطيع أحد أن يغفرها لك الا الله،
فالتوبة عبادة كالصلاة، التوبة عبادة كالحج وكالعمرة وكالصيام، التوبة عبادة شأنها شأن العبادات الأخرى كالاستغاثة والاستعانة والاستغفار والصلاة والحج والعمرة والصيام وكل العبادات، لا يجوز صرف هذه العبادات الى غير الله، أنت ينفع تصلي لغير الله عز وجل؟! اذاً لا ينفع أن تتوب إلا إلى الله سبحانه وتعالى، ما دامت تسمى عبادة فلا عبادة من مخلوقٍ إلا إلى خالقه، انا لما اتوب اليك! ولما اصلي اليك وانت لست خالقي! انما العبادة مصروفة فقط الى الخالق، هو الاحق بان تعبدينه سبحانه وتعالى،
والله عز وجل يقول (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ)

ثالث ثمرات معرفتك باسم الله التواب سبحانه وتعالى الحياء من الله عز وجل، أنك تستحي من الله عز وجل البر الرحيم التواب سبحانه وتعالى الغفور الذي يفرح بتوبتك، هذا الحياء لو أنه تمكن من قلبك كان له اثراً عظيماً جداً في مراقبة الله عز وجل، يجعلك هذا الحياء تبادر للطاعة، تسبق الى الطاعة، يجعلك تستحي انك تعصي الله عز وجل،
الثمرة الرابعة المبادرة إلى التوبة النصوح، معرفتك أن الله تواب وإدأن الباب مفتوح بل وأن الباب لا يُغلق بل وأنه مهما تكرر الذنب فالله قابلٌ للتوب سبحانه وتعالى هذا يورث عندك حب العودة، لأن الباب مفتوح، ليس هناك يأس، بل انه سبحانه وتعالى يفرح برجوعي،
خامسا من أثر هذا الاسم على العبد حاجة العبد إلى التوبة في جميع مراحل عمره، وإنها لا تفارقه ولا غنى له عنها في أي مرحلة، من أول ما يبلغ إلى أن يموت هو في حاجة الى التوبة، لان الخطأ لا يفارق العبد، خطأ النظرة حتى خطأ الكلمة خطأ السماع أي شيء يمر عليك فأنت بحاجة دائمة الى التوبة.
فالحمد لله أن الله تواب، الحمد لله أنه يكرر العذر مرة واتنين وثلاثة، يقبل العذر أكثر من مرة، تخيل لو أن الله يتوب مرة واحدة على العبد ثم انتهت المسألة! أين نذهب؟ إلى من نلجأ؟
والتوبة يرفع الله عز وجل بها درجات المؤمنين في الجنة، فالعبد العاصي ليس هو فقط المحتاج الى التوبة، إنما المؤمن الطائع الذي زكاه الله وزكى صفاته يحتاج إلى التوبة، حتى النبي المعصوم بحاجة إلى التوبة، (لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ) لقد رفع الله درجة النبي، لقد أعلي الله مكانة النبي والمهاجرين والأنصار، فلا تقول انا لست محتاج إلى أن اتوب، لا، أنت في وسط الطاعة تحتاج إلى توبة يرفع الله بها درجتك ويجبر بها عملك،
فالتوبة ليست في حق العاصين والمجرمين والظالمين بل هي في حق الانبياء والمرسلين والمهاجرين والأنصار والمؤمنين وكل الصادقين، فهي تصاحبك طول حياتك،
الآن أنت ممكن تكون أول مرة تعرف ان التوبة في حق المؤمنين، طب ارجع إلى كل ذكر في حياتك فيه استغفار، لكل عمل صالح، الذكر الذي بعد الصلاة استغفر الله استغفر الله استغفر الله، تستغفر من صلاتك؟ انت تستغفر إنك صليت؟ لا، أنت هكذا تُجبر نقص الصلاة وما عرض عليك فيها من فكرٍ ودخول الشيطان، تستغفر فيجبر الله عز وجل بذلك.
فاعلم أن لا غني لأي عبد عن التوبة والأوبة إلى الله، وفي النهاية عود وتب إلى الله وكن صادق في توبتك وتيقن إنك ما دمت صادق فإن الله يقبلك ويفرح بتوبتك.

السابق
وماذا بعد نعم الله؟
التالي
روسيا ترد على العقوبات وتطرد 10 دبلوماسيين أمريكيين

اترك تعليقاً